الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

14

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ووجه فصل الجملة أنها مخالفة للتي قبلها بالإنشائية المخالفة للخبرية . وفعل كَبُرَتْ - بضم الباء - . أصله : الإخبار عن الشيء بضخامة جسمه ، ويستعمل مجازا في الشدة والقوة في وصف من الصفات المحمودة والمذمومة على وجه الاستعارة ، وهو هنا مستعمل في التعجيب من كبر هذه الكلمة في الشناعة بقرينة المقام . ودل على قصد التعجيب منها انتصاب كَلِمَةً على التمييز إذ لا يحتمل التمييز هنا معنى غير أنه تمييز نسبة التعجيب ، ومن أجل هذا مثلوا بهذه الآية لورود فعل الأصلي والمحول لمعنى المدح والذم في معنى نعم وبئس بحسب المقام . والضمير في قوله : كَبُرَتْ يرجع إلى الكلمة التي دل عليها التمييز . وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع ، ومنه قوله تعالى : إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [ المؤمنون : 100 ] ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » وجملة تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ صفة ل كَلِمَةً مقصود بها من جرأتهم على النطق بها ووقاحتهم في قولها . والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار صورة خروجها من أفواههم تخييلا لفظاعتها . وفيه إيماء إلى أن مثل ذلك الكلام ليس له مصدر غير الأفواه ، لأنه لاستحالته تتلقاه وتنطق به أفواههم وتسمعه أسماعهم ولا تتعقله عقولهم لأن المحال لا يعتقده العقل ولكنه يتلقاه المقلد دون تأمل . والأفواه : جمع فم وهو بوزن أفعال ، لأن أصل فم فوه بفتحتين بوزن جمل ، أو فيه بوزن ريح ، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرفا يعتمد عليه لسانه ، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار « فا » ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين ، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة لأنهما شفهيتان فصار « فم » ، ولما جمعوه ردوه إلى أصله . وجملة إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً مؤكدة لمضمون جملة تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ لأن الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفس الأمر هو الكذب ، أي تخرج من أفواههم خروج الكذب ، فما قولهم ذلك إلا كذب ، أي ليست له صفة إلا صفة